الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
12
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
إبراهيم : سَلامٌ عَلَيْكَ ، وهذا توادع ومتاركة ، أي لا أشافهك بما يؤذيك بعد . سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ، أي أدعو لك ربي أن يهديك إلى الإيمان ، فإن حقيقة الاستغفار للكافر طلب التوفيق للإيمان المؤدي للمغفرة . إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ( 47 ) ، أي بليغا في البرّ والألطاف . وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، أي وأترككم وما تعبدون من الأصنام ، بالارتحال من بلادكم . وَأَدْعُوا رَبِّي ، أي أعبده وحده . عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي ، أي بعبادته ، شَقِيًّا ( 48 ) ، أي ضائع العمل كما ضاع عملكم بعبادة الأوثان . فارتحل سيدنا إبراهيم من كوثي إلى الأرض المقدسة . فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، أي فلما فارقهم إبراهيم في المكان في طريقتهم من عبادة الأوثان وأبعد عنهم إلى الأرض المقدسة ، والتشاغل بالعبادة ، وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ، يأنس بهما لأنه عاش حتى رأى يعقوب . وَكُلًّا أي كل واحد منهم جَعَلْنا نَبِيًّا ( 49 ) ، ينبئهم اللّه تعالى بعلوم المعارف ، وهم ينبّئون الخلق باللّه وبالإسلام . وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا ، المال ، والجاه والأتباع ، والذرية الطيبة . وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ( 50 ) ، أي جعلنا لهم ثناء صادقا يفتخر بهم الناس ، ويثنون عليهم ، ويذكرهم الأمم كلها إلى يوم القيامة ، بما لهم من الخصال المرضية . وتقول هذه الأمة في الصلوات الخمس : كما صلّيت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إلى قيام الساعة . وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً . قرأه عاصم وحمزة والكسائي ، بفتح اللام أي معصوما من الأدناس ، اختاره اللّه تعالى . والباقون بالكسر أي مخلصا لعبادته عن الرياء ، ولنفسه عما سوى اللّه . وَكانَ رَسُولًا إلى بني إسرائيل والقبط ، نَبِيًّا ( 51 ) يخبرهم عن اللّه تعالى . وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ أي الذي يلي يمين موسى ، والطور : جبل بين مصر ومدين ، وذلك حين توجه من مدين إلى مصر ، أي تمثل له الكلام من تلك الجهة . يقول يا موسى : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ [ طه : 14 ] وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا ( 52 ) ، أي مناجيا أي رفعنا قدره ، وشرّفناه بالمناجاة ، بأن أسمعه اللّه تعالى كلامه بلا واسطة . وقيل : رفعناه مكانا عاليا فوق السماوات ، حتى سمع صرير القلم حيث كتبت التوراة في الألواح . وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا ( 53 ) ، أي وجعلنا أخاه هارون نبيا من أجل رأفتنا به ، ليكون وزيرا له ، ومعينا له في تبليغ الرسالة . وهذا إشارة إلى أن النبوة ليست كسبية ، بل هي من مواهب اللّه تعالى ، يهب لمن يشاء النبوة والرسالة ، وإشارة إلى أن لموسى اختصاصا بالقربة ، والقبول عند اللّه تعالى ، حتى يهب أخاه هارون النبوة والرسالة بشفاعته ، كما يهب الأنبياء والرسل بشفاعة سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم عليه السلام » . وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ ، فكان إذا وعد الناس بشيء أنجز وعده . روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما إنه عليه السلام وعد صاحبا له أن ينتظر في مكان ، فانتظره